زكي مبارك
105
عبقرية الشريف الرضي
وليلة وصل بات منجز وعده * حبيبي فيها بعد طول مطال شفيت بها قلبا أطيل غليله * زمانا فكانت ليلة بليالي فيا زائرا لو أستطيع فديته * بأهلي على عز القبيل ومالي ولكن هذه الشجاعة لها حدود يعرفها جيدا من يرشح نفسه لامارة الحج ونقابة الأشراف ومناصب القضاء ثم إمارة المؤمنين . ومن أجل هذا كان تصويره للجوانب الحسية من الجمال تصويرا قليل التهاويل ، لا رفث فيه ولا فسوق ، فلم يستطع أن يكون خليفة الشاعر الذي قيل فيه : ما عصى اللَّه بشعر أكثر مما عصى بشعر عمر بن أبي ربيعة ، ولم يتحدث أحد بأنه قرأ غراميات الشريف فدعته نفسه إلى مراجعة الضلال ، وإنما يستطيع ألوف من الناس أن يقولوا إن شعر الشريف حبب إليهم الغرام النبيل ، وساقهم إلى تمجيد مواسم العيون في كرائم الأحاسيس . لا تنظروا من الشريف أن يهيجكم بالأوصاف الحسية ، فما كان يملك ذلك ، وكرمكم يتسع للصفح عنه ، وقد عرفتم كيف كان مركزه في المجتمع بل أعذروه إن اكتفى بالأوصاف التي رددها الشعراء فقال : لقين قلوبنا بجنود حرب * تطاعن بالدمالج والبرينا ( 1 ) جلون لنا لآلىء واضحات * أضأن بها الذوائب والقرونا عهدنا الدر مسكنه أجاج * فكيف تبدل الثغب المعينا ( 2 ) أو قال :
--> ( 1 ) الدمالج جمع دملج على وزن جندب وهو المعضد ، والبرين : الخلاخيل مفردها برة على وزن ثبة . ( 2 ) الثغب بالفتح هو بقية الماء في بطن الوادي ، والمعين : الجاري